شهدت مالي خلال يوليو 2026 تحولاً تدريجيًا في نمط علاقاتها الإقليمية والدولية، في ظل استمرار المرحلة الانتقالية بقيادة الجنرال “آسيمى جويتا”، بالتزامن مع الانفتاح الدبلوماسي وتصاعد حدة التهديدات الأمنية الداخلية. فقد استأنفت باماكو علاقاتها مع الجزائر، وفتحت قنوات تواصل مع الاتحاد الأفريقي، وكثفت اتصالاتها مع السنغال والولايات المتحدة، بالتوازي مع استمرار الشراكة الأمنية مع روسيا. يأتي ذلك في وقت تواجه فيه مالي تصاعدًا لافتًا في نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد (FLA). ضمن هذا السياق، يتناول التحليل مؤشرات هذا التحول، في ضوء إعادة الانفتاح على المحيط الإقليمي والقاري، وتصاعد التهديدات الأمنية، واستمرار العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار رغم الخلافات السياسية.
أولاً: مؤشرات انفتاح باماكو على المحيط الإقليمي والقاري
تمثل عودة العلاقات بين مالي والجزائر أحد أبرز مؤشرات تراجع سياسة القطيعة مع المحيط الإقليمي، بعد أكثر من عام من التوترات الدبلوماسية الحادة التي ارتبطت بالوضع في شمال مالي واتفاق الجزائر للسلام لعام 2015. وجاء استئناف العلاقات وتبادل السفراء وفتح المجال الجوي في 10 يوليو 2026، في ظل حاجة الطرفين إلى احتواء تداعيات الأزمة الأمنية في شمال مالي على حدودهما المشتركة التي تمتد لأكثر من 1300 كيلو متر، بما يشير إلى انتقالهما من محاولة إدارة الخلاف عبر القطيعة إلى احتوائه من خلال قنوات الاتصال المباشر. مع ذلك، لا تعني هذه الخطوة تجاوز أسباب الخلاف؛ إذ لا تزال التباينات قائمة بشأن قضية الصحراء الغربية واتفاق الجزائر، في وقت يمثل فيه دعم مالي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي تحولًا مهمًا في سياستها الخارجية. ومن ثم، تبدو عودة العلاقات أقرب إلى “تعايش حذر” يهدف إلى إدارة الخلافات وتقليل أضرارها، منها إلى مصالحة سياسية كاملة.
ويتسق ذلك مع انفتاح الاتحاد الأفريقي على باماكو، من خلال زيارة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، إلى مالي في 12 يوليو 2026، رغم استمرار تعليق مشاركة مالي في أنشطة الاتحاد منذ التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال عامي 2020، و2021. واكتسبت الزيارة أهمية خاصة باعتبارها محاولة للحفاظ على قنوات التواصل السياسي مفتوحة، وطرح مسار للخروج من الوضع الاستثنائي والعودة إلى المسار المدني، إلى جانب تأكيد استمرار الحضور الأفريقي في ملف مالي ومنطقة الساحل، وانعكس ذلك بتجديد تفويض بعثة الاتحاد الأفريقي لمالي والساحل (MISAHEL) في باماكو.
كما عكست زيارة الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي إلى باماكو في 28 يوليو 2026، اتجاهًا موازيًا نحو الدبلوماسية الثنائية المباشرة. فعلى الرغم من الخلافات بين داكار وباماكو بشأن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، بات استقرار مالي يمثل مصلحة أمنية مباشرة للسنغال، خاصة مع اقتراب نشاط الجماعات المسلحة من المناطق الحدودية، وتركزت المباحثات على مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني وتعزيز التبادل الاقتصادي، في ظل أطر التعاون التي لا تزال تجمع البلدين، وفي مقدمتها الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (WAEMU) ومنظمة تنمية نهر السنغال (OMVS).
ثانيًا: تصاعد التهديدات الأمنية وحدود الشراكة الروسية
يعتبر العامل الأمني المحرك الأهم للتحولات الحالية في السياسة الخارجية المالية. فقد انتقلت الجماعات المسلحة خلال 2026 إلى تنفيذ عمليات أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، تجمع بين النشاط الإرهابي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين والنشاط الانفصالي لجبهة تحرير أزواد. وبرز ذلك في الهجمات المتزامنة التي شنتها هذه الجماعات في 25 أبريل 2026 على عدد من المدن في شمال ووسط وجنوب مالي، والتي أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، ومكّنت المتمردين من السيطرة على مدينتي كيدال وتساليت شمال البلاد. كما تكررت الهجمات المنسقة في 4 يوليو 2026، عندما تمكنت جبهة تحرير أزواد من السيطرة على جزء من بلدة أنيفيس في مدينة كيدال، قبل أن تستعيد القوات المالية والفيلق الأفريقي هذه المنطقة بعد أيام من القتال. وأظهرت هذه العمليات قدرة الجماعات المسلحة على توزيع هجماتها على جبهات جغرافية متعددة، واستغلال نقاط الضعف في الانتشار العسكري للجيش المالي.
وفي المقابل، كشفت هذه التطورات عن حدود الشراكة الأمنية الروسية في تحقيق حسم عسكري مستدام. فبعد انسحاب فرنسا وبعثة الأمم المتحدة (MINUSMA)، وبعثات التدريب الأوروبية (EUTM Mali)، واعتماد باماكو بصورة متزايدة على روسيا، أولًا عبر مجموعة فاجنر ثم الفيلق الأفريقي، لم تتمكن الترتيبات الأمنية الجديدة من احتواء التهديدات الإرهابية والانفصالية بصورة حاسمة. ودفع ذلك باماكو إلى الاتجاه نحو تنويع خياراتها الأمنية، وهو ما يتضح من عودة الاتصالات مع الولايات المتحدة، ورفع العقوبات عن عدد من كبار المسؤولين العسكريين الماليين في فبراير 2026، إلى جانب محاولات استئناف التعاون في مجال المراقبة الجوية. كما أبدت باماكو استعدادًا للنظر في التعاون مع واشنطن، شريطة احترام سيادتها وأولوياتها الوطنية.
وتتقاطع هذه الرغبة المالية مع اهتمام أمريكي متزايد بإعادة بناء قنوات التواصل مع باماكو، في ظل تصاعد نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتراجع القدرات الاستخباراتية الأمريكية في منطقة الساحل بعد الانسحاب من النيجر عام 2024. وتسعى واشنطن إلى الحد من اتساع النفوذ الروسي وتعزيز حضورها الاقتصادي والأمني في غرب أفريقيا، وهو ما انعكس في زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، فرانك غارسيا، عددًا من دول المنطقة، من بينها مالي في 17 يوليو 2026، لبحث تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، مع اهتمام خاص بمجالات مكافحة الإرهاب والمعادن الحيوية.
وفي الوقت نفسه، تعمل روسيا على الحفاظ على موقعها كشريك أمني رئيسي لمالي، وهو ما برز في زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى دول الساحل الثلاث (مالي – النيجر – بوركينافاسو) في 8 يوليو 2026، إلى جانب استمرار الدعم العسكري الروسي إلى باماكو. وكشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية عن وصول شحنة كبيرة من المركبات العسكرية الروسية إلى مالي، عبر سفينة الشحن الروسية “ميخائيل بريتنيف”، التي غادرت ميناء بالتيسك الروسي ورست في ميناء لومي بتوجو قبل نقل المعدات إلى باماكو في 25 يوليو 2026.
ثالثًا: استمرار العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار رغم الخلافات السياسية
تكشف التطورات الحالية عن مفارقة أساسية في منطقة الساحل، تتمثل في تزامن تصاعد الاستقطاب السياسي مع استمرار الاعتماد المتبادل اقتصاديًا وأمنيًا. فمالي كدولة غير ساحلية، لا تستطيع الانفصال عن محيطها الإقليمي مهما بلغت الخلافات السياسية، نظرًا لاعتمادها على الموانئ وشبكات النقل الإقليمية لتأمين احتياجاتها الأساسية وتدفق تجارتها الخارجية. وتبرز السنغال في هذا السياق بصورة واضحة؛ إذ يمثل ميناء داكار منفذًا مهمًا للتجارة المالية، بينما تؤثر الاضطرابات الأمنية، خاصة مع تنامي نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ومن بينها جبهة تحرير مآسينا المنضوية تحت لوائها، على محور كايس – باماكو، بما ينعكس مباشرة على مصالح البلدين. وبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما نحو 1.31 مليار دولار عام 2024، وكانت مالي أكبر سوق تصدير أفريقية للسنغال، بينما تجاوزت الصادرات السنغالية إلى مالي 40 مليار فرنك أفريقي في مايو 2026.
وينطبق هذا الترابط كذلك على علاقات مالي مع الجزائر وموريتانيا ودول الساحل الأخرى، فضلًا عن الدول الساحلية في خليج غينيا. فانتشار الجماعات المسلحة، وتدفقات اللاجئين، وحركة التجارة، والروابط الاجتماعية الممتدة عبر الحدود تجعل الاستقرار في مالي قضية تتجاوز حدودها الوطنية. ومن ثم، فإن تصاعد الاتهامات المتبادلة بين دول الساحل وجيرانها لا يلغي الحاجة إلى التعاون، بل يدفع نحو تبني ترتيبات جزئية ومرنة تركز على المصالح المشتركة، وفي مقدمتها أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتجارة، والطاقة، وإدارة الموارد المائية.
ويظهر هذا الاتجاه في استمرار التعاون بين مالي وبعض دول المنطقة من خلال الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، ومنظمة تنمية نهر السنغال، رغم انسحاب مالي، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، من مجموعة (إيكواس) وتشكيل تحالف دول الساحل (AES). كما يعكس استمرار مشروعات البنية التحتية الإقليمية أهمية الترابط الاقتصادي، ومن بينها ممر أبيدجان– واجادوجو – باماكو، فضلًا عن مشروعات الطاقة والنقل التي تربط دول الساحل بالدول الساحلية في خليج غينيا. ويؤكد ذلك أن المصالح الاقتصادية وشبكات البنية التحتية لا تزال قادرة، بدرجات متفاوتة، على تجاوز الخلافات السياسية.
وفي هذا الإطار، يعتبر التحول الجاري في سياسة مالي جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لعلاقاتها في غرب أفريقيا. فمع تراجع قدرة المؤسسات الإقليمية التقليدية على إدارة الخلافات، تتجه باماكو بصورة أكبر نحو الدبلوماسية الثنائية والتعاون في ملفات محددة دون اشتراط التوافق بشأن القضايا السياسية الكبرى. ويبرز ذلك في محاولات تعزيز العلاقات مع غينيا وكوت ديفوار (ساحل العاج) لتخفيف الضغوط الناتجة عن أزمة الوقود واضطراب طرق الإمداد الرئيسية، ولا سيما محوري داكار– باماكو، وأبيدجان – باماكو. كما تمثل غينيا بديلًا مهمًا لمالي، في ظل استمرار قنوات الاتصال بين باماكو وكوناكري، بما في ذلك التفاهمات المتعلقة باستخدام الموانئ والمرافق اللوجستية. ويكتسب محور كوريمالي– باماكو أهمية خاصة باعتباره أحد مسارات البنية التحتية والتجارة البديلة، رغم ما يواجهه من تحديات لوجستية ومخاطر أمنية.
حاصل ما تقدم، يعكس التحول في سياسة باماكو عن توجه نحو إدارة أكثر براجماتية لعلاقاتها الخارجية، فرضتها الضغوط الأمنية والحاجة إلى تأمين المصالح الاقتصادية وطرق الإمداد. ويشير ذلك إلى أن باماكو باتت أكثر استعدادًا لتوظيف العلاقات الثنائية والأطر الإقليمية بصورة انتقائية لمعالجة تحدياتها، بما قد يفتح المجال أمام استعادة تدريجية لحضورها في آليات التعاون الإقليمي في غرب أفريقيا.
باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية





























