إمارات داعش الجديدة في قلب أفريقيا (2)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

تنظر العديد من مراكز الفكر والأبحاث، التى تعنى بالشأن الأمنى الأفريقى، بالقلق البالغ إزاء الأنباء المتواترة من دول الساحل، بعدما أعلن عن مقتل القيادى «أبوبكر الشكوى» وما استتبع ذلك من تداعيات. حيث يبرز الأهم منها أن تنظيم «داعش»، ولاية غرب أفريقيا، كان وراء هذا المتغير، الذى ما زالت أصداؤه تتردد حتى الآن، رغم أن عملية تصفية أخطر القادة التاريخيين لجماعة «بوكو حرام» وقعت مايو الماضى، إلا أن ترتيب الأوراق والتموضعات الجديدة تسير على قدم وساق طوال تلك الشهور وحتى الآن. هذا ما دفع معهد الدراسات الأمنية (INSTITUTE FOR SECURITY STUDIES)، المعروف اختصاراً بـISS، لأن يطلق رسالة تحذير مفادها أن على…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

تنظر العديد من مراكز الفكر والأبحاث، التى تعنى بالشأن الأمنى الأفريقى، بالقلق البالغ إزاء الأنباء المتواترة من دول الساحل، بعدما أعلن عن مقتل القيادى «أبوبكر الشكوى» وما استتبع ذلك من تداعيات. حيث يبرز الأهم منها أن تنظيم «داعش»، ولاية غرب أفريقيا، كان وراء هذا المتغير، الذى ما زالت أصداؤه تتردد حتى الآن، رغم أن عملية تصفية أخطر القادة التاريخيين لجماعة «بوكو حرام» وقعت مايو الماضى، إلا أن ترتيب الأوراق والتموضعات الجديدة تسير على قدم وساق طوال تلك الشهور وحتى الآن. هذا ما دفع معهد الدراسات الأمنية (INSTITUTE FOR SECURITY STUDIES)، المعروف اختصاراً بـISS، لأن يطلق رسالة تحذير مفادها أن على الدول الأفريقية التحرك بسرعة لوقف إعادة هيكلة «ولاية غرب أفريقيا»، التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية فى حوض بحيرة تشاد. فالمركز وفق تقدير باحثيه والرصد الميدانى على الأرض يرى فى حال لم تقم الدول المعنية بذلك، فإن خطط تنظيم «داعش» للتوسع فى المنطقة ستعرض حياة ملايين الأفارقة للخطر!

لا توجد مبالغة فى هذا التحذير، الذى يبدو يلامس الواقع لحد كبير، حيث سبق لنا فى المقال السابق من هذه السلسلة أن لفتنا الانتباه إلى المشروع التوسعى الذى صدر به قرار من قيادة التنظيم لصالح ولايته الأفريقية الغربية، حيث دفع الأخيرة إلى الإعلان عن تأسيس أربع ولايات تتمركز حول المناطق المحيطة بـ«بحيرة تشاد»، التى ستعطى لها ميزة استخدام وتهديد أكثر من دولة من المتشاطئين عليها، والتى يرجح أن تمثل بؤرة الأحداث والتحركات الإرهابية القادمة. هذه الأجندة التوسعية بدأت قبل انحسار التنظيم فى سوريا والعراق، حيث كانت حينها مأخوذة ومدعومة بألق تفوق التنظيم واستقراره فيما يشبه «الدولة» وعاصمتها مدينة «الرقة» السورية. عملية إزاحة «أبوبكر الشكوى» تفسر أن التنظيم كان يلزمه السيطرة على منطقة «غابات سامبيسا»، التى ظلت لعقود هى معقل الشكوى وملاذ تنظيمه الآمن فيما يخص الأفراد أو العتاد، ودون السيطرة على هذه الغابة الكثيفة لم تكن لأجندة التنظيم أن ترى النور أو تتمكن من الاستقرار حول «البحيرة».

المعهد الأمنى الأفريقى يقدم توصية مهمة، ترتبط بدعوته إلى الإسراع بالتحرك من أجل استغلال فترة عدم الاستقرار التى ما زالت فيها الأوضاع لم تستتب، فى ظل ما واجهه التنظيم و«بوكو حرام» من حالات انشقاقات وتغيير فى القيادات الميدانية، ما يسمح فى حال تحركت القوات العسكرية والأمنية لدول الساحل وحلفائها من القدرة على شل مؤقت لفعالية تلك الأجندة التى تسابق الزمن. تعمل الأخيرة جغرافياً فى الوقت الراهن، فضلاً عن منطقة «غابات سامبيسا» أيضاً، فى غابة تمبكتو وتومبوما، ومجموعة من الجزر فى بحيرة تشاد، هذه المناطق بدأت تظهر فيها ملامح للولايات الأربعة التى اعتزمت ولاية غرب أفريقيا تدشينها، ورغم أن جميعها حتى الآن فى (ولاية بورنو)، معقل القائد الجديد والمكنى باسمها «أبومصعب البرناوى»، إلا أن لكل مجموعة منها قيادتها شبه المستقلة. وهذا القرار التنظيمى ببعض من الاستقلالية لهذه المجموعات يوفر من الناحية التكتيكية قواعد عملياتية قادرة على توسيع أنشطتها لتشمل مناطق أخرى من الشمال الشرقى لنيجيريا، وتسمح لها باختراق قادم إن لم يكن قد جرى بالفعل لكل من تشاد والنيجر والكاميرون.

فى الوقت الحالى تنتهج ولاية غرب أفريقيا بعضاً من استراتيجيات تنظيم «داعش» الأم، ما يعتقد أنها كانت سبباً جوهرياً فى تفوقه، ترتكز بصورة رئيسية على مجموعة من الإصلاحات بغرض إرضاء مقاتليه وتأمين ولائهم، خاصة فى ظل الانشقاقات والتشظى الذى بدأ مع الصراع فيما بين جبهة الشكوى وفصيل البرناوى، واستتبعته حالة عدم يقين منذ مقتل «الشكوى» حول خطط المستقبل الغامض، فى ظل رغبة «داعش» المحمومة على إعادة كاملة لترتيب أوراق العمل والانتماءات بصورة جديدة تختلف كلياً عن موروث «بوكو حرام» المستقر. لذلك تذهب الاتجاهات للولاية الجديدة فى علاج بعض من أخطاء ومسببات الاحتقان، مثل ضمان معاملة منصفة لعناصره من قبَل القادة الميدانيين، ودخول الحافز الاقتصادى باعتباره الأهم فى الوقت الراهن حيث إشراك المقاتلين فى غنائم الحروب والغارات التى يقومون بها، كونها أهم مفاتيح النجاح فى الجبهة الشرقية وظلت فى عهد «بوكو حرام» من أكثر النقاط الخلافية التى سادت لسنوات، وسط بيئة مجتمعية فقيرة وقليلة الموارد بالأساس.

تسعى ولاية غرب أفريقيا أيضاً إلى تأمين محيطها السكانى، عبر اعتماد إصلاحات تشمل إضفاء الحماية على المدنيين من سكان المناطق التى تسيطر عليها، والدخول إلى نموذج الاشتراك فى تنمية الاستثمار المتبادل ما بين التنظيم والأهالى، عبر نشاط يتركز على دعم سبل العيش المحلية وتأمين وصول الخدمات إلى المناطق المعزولة بشكل مستقر، يسمح فى مرحلة لاحقة من تحصيل الضرائب التى تضفى شرعية على نشاط الولاية فى الحماية والإدارة. ومن أجل الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف «المستنسخة»، يواصل التنظيم مهاجمة المبادرات الإنسانية والنشاط الإغاثى الحكومى والدولى، فضلاً عن قتل وخطف العاملين فى المجال الإنسانى ونهب وحرق مقارهم ومكاتبهم، أدى ذلك خلال عام واحد مضى إلى زيادة أعداد النازحين من مناطق عيشهم التاريخية بنسبة 50% تقريباً، غالبيتهم من الإناث صحبة أطفالهم، لا سيما فى مناطق شمال شرق نيجيريا التى شهدت فصول ما سبق ذكره من اقتتال وصراعات نفوذ وهيمنة ما بين «بوكو حرام» و«ولاية غرب أفريقيا». فولاية «بورنو»، التى يتخذها الأخير أول معقل مستقر على أراضى تلك البلدان الشاسعة، صدر مؤخراً تقرير دولى بشأن أوضاعها الإنسانية المهددة التى وصلت إلى اعتبار 25% من أراضيها غير قابلة للدخول إليها، بسبب عامل الأمن المفقود الذى قطع ما بينها وبين المركز فى لاجوس العاصمة، لتوصف بالمنطقة الأكثر تضرراً والمرشحة بقوة للانفصال الكامل. هكذا يخطط «داعش» ويعمل بنظرية «الأرض المحروقة» التى يمكنه من استثمارها لاحقاً، تحت سطوته ووفق عقائد إدارته ومستهدفاته من هذه المنطقة وما حولها.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب