يبدو أن اللعنة السياسية التي أُطلقت منذ استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016، لا تزال تعصف بكل من يتولى منصب رئاسة الحكومة البريطانية في “داونينج ستريت”. فلم تكن سنوات الاضطراب التي عاشها حزب المحافظين، والتي أطاحت بأربعة رؤساء وزارات متتاليين، سوى مقدمة لهزات أعنف يبدو أنها لا تستثني أحدًا. واليوم، يواجه رئيس الوزراء البريطاني الحالي وزعيم حزب العمال، كير ستارمر، المأزق ذاته في الآونة الأخيرة؛ حيث لحق برؤساء الوزراء السابقين معلنًا استقالته، بعد الضغوط المستمرة عليها والذي كان آخرها النتائج الصادمة للانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت ببداية شهر مايو.
إلا أن ما تحمله نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في طياتها أكبر بكثير من استقالة رئيس الوزراء، وأعمق من مجرد أزمة عابرة داخل أروقة حزب العمال الحاكم. إنها تجلب في الواقع تساؤلًا حقيقيًا وهو: هل نشهد بالفعل نهاية عصر نظام الحزبين التقليديين (العمال والمحافظين) الذي هيمن على السياسة البريطانية لما يقرب من قرن من الزمان؟ وهو التساؤل المحوري الذي يسعى هذا التقرير للإجابة عنه، في نتائج الانتخابات المحلية، وإعلان رئيس الوزراء البريطاني استقالته.
أولًا: تحولات نتائج الانتخابات المحلية
جرت الانتخابات المحلية بالتزامن في إنجلترا وأسكتلندا وويلز في السابع من مايو 2026. لكن هذه الانتخابات لم تُنظَّم في أيرلندا الشمالية؛ نظرًا لأن الانتخابات المحلية هناك تُجرى وفق دورة انتخابية مختلفة عن بقية أنحاء المملكة المتحدة. وقد جاءت صناديق الاقتراع لتعكس تحولًا كبيرًا غير مسبوق في خارطة الأحزاب السياسية، وتكشف عن شروخ عميقة في جدار الهيمنة التقليدية للأحزاب الكبرى. وأظهرت النتائج تقدم حزب الإصلاح اليميني بشكل كاسح برفع عدد مقاعده في المجالس المحلية في إنجلترا إلى 1453 مقعدًا، بعدما كان رصيده مقعدين اثنين فقط في انتخابات عام 2022، من إجمالي 5066 مقعدًا. وجاء حزب العمال الحاكم في المركز الثاني بعدد 1068 بعد خسارته 1496 مقعدًا، مقارنة بنتاجه في انتخابات 2022، وحل حزب الديمقراطيين الأحرار في المركز الثالث بعدد 844 مقعدًا، رافعًا رصيده بمقدار 155 مقعدًا عن الانتخابات السابقة.
أما حزب المحافظين، حزب المعارضة الرئيسي في مجلس العموم، فجاء في المرتبة الرابعة بعدد 801 مقعد، بخسارة 563 مقعدًا عن الانتخابات السابقة. كما حقق حزب الخضر اليساري تقدمًا ملحوظًا؛ إذ رفع رصيده إلى عدد 587 مقعدًا، بعدما كان يملك 146 مقعدًا في انتخابات عام 2022. ولم تقتصر مفاجأة حزب الإصلاح على إنجلترا فحسب؛ إذ حقق الحزب المرتبة الثانية في كل من أسكتلندا وويلز، برصيد 17 مقعدًا و34 مقعدًا على التوالي، بعدما كان لا يملك أي مقعد في انتخابات عام 2022 [1].
وتتولى المجالس المحلية في المملكة المتحدة عددًا من المسئوليات الأساسية التي تجعل المسئول المحلي أكثر اتصالًا بالمشاكل اليومية للسكان عن النائب في مجلس العموم البريطاني، وأهم تلك المسئوليات هي: متابعة سير العمليات التعليمية والإسكان من خلال تنظيم أو توفير السكن للمحتاجين، وصيانة المساكن الاجتماعية، كذلك تقديم الخدمات الاجتماعية وصيانة الطرق وإدارة حركة المرور، والإشراف على الحدائق والمنتزهات والخدمات الثقافية، وحماية المستهلك، ومتابعة سير الحياة اليومية في عديد من الأمور الأخرى[2] . وبهذا فإن هذا الاحتكاك اليومي سيكون مختبرًا حقيقيًا لحزب الإصلاح اليميني؛ حيث سيعطي للحزب فرصة أكبر للتعرف على دواخل الدولة وطرق حكمها، وهو ما سينعكس بالضرورة على برامجهم المتوقعة في الانتخابات البرلمانية القادمة المفترض أن تُجرى بحلول أغسطس 2029.
واستقبل رئيس حزب الإصلاح نايجل فاراج النتائج بسعادة بالغة؛ حيث قال فاراج للصحفيين ردًا على النتائج الأولية يوم الجمعة 8 مايو: “هناك تحول تاريخي يحدث في السياسة البريطانية. أعتقد أن الأفضل لم يأتِ بعد”. وبغض النظر عن الجزء الثاني من الجملة، فإننا نشهد إرهاصات أحد التحولات التاريخية الكبرى في تاريخ السياسة البريطانية، فتلك النتائج حال استمرارها حتى لو بقدر أقل، فأنها تؤسس لحقيقة أن السياسة البريطانية اليوم أصبحت أكثر تشرذمًا من أي وقت مضى.
ويحمل تصريح فاراج جزءًا كبيرًا يمكن الاعتداد به، فقد بدأ فاراج بالعمل حسب قواعد وطبيعة النظام السياسي البريطاني القائم على مبدأ أن من يأتي بالمركز الأول يفوز بكل شيء، على عكس معظم النظم الأوروبية القائمة على التمثيل النسبي وفق عدد الأصوات. ولهذا عمل على تطوير أداء حزبه وتنظيمه منذ الانتخابات البرلمانية الماضية الذي حصل فيها على عدد أصوات يقترب بها من حزب العمال، وبالرغم من ذلك لم يحصل حينها إلا على 5 مقاعد فقط بسبب طبيعة النظام الانتخابي. وكانت أهم تلك التطورات هو تنامي عدد أعضاء الحزب، والذين يوفرون الفرصة للحزب لوجود أشخاص قادرين على الانتشار بكافة الدوائر الانتخابية، وحشد الأصوات؛ حيث بلغ عدد أعضاء حزب الإصلاح رسميًا أكثر من 270 ألف عضو، أي أكثر من حزب العمال الذي تشير التقارير إلى انخفاض عدد أعضائه إلى أقل من 250 ألفًا في الأشهر الأخيرة.
وادعى فاراج، أن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة أثبتت نجاح هذه الجهود التنظيمية، وقال فاراج: “كل هذا يدل على أننا، خلال العامين الماضيين، ومنذ أن حققنا هذا الإنجاز في الانتخابات العامة، قمنا بتطوير الحزب ورفع مستوى احترافيته”. وقد فعلنا ذلك بوتيرة سريعة للغاية”. لكن حتى نتائج الانتخابات المحلية لا تُعد بالضرورة مؤشرًا حتميًا ودقيقًا على الانتخابات العامة التي من المرجح أن تُجرى بعد سنوات، كما أن استطلاعات الرأي بعيدة المدى تكون أقل موثوقية. إلا أنها تثبت أن هناك تشرذمًا وقوى متعددة تتجاوز قطبي السياسة البريطانية، وبأن تصور انحصار رئيس الحكومة القادم حتمًا بين هذين الحزبين أصبح أمرًا يفتقر إلى الضمانات السياسية بعد هذه النتائج الصادمة.[3]
ولا يقف أثر تلك الانتخابات المحلية على فكرة تغير طبيعة نظام الحكم في المملكة المتحدة فحسب، بل إنه قد تعيد تلك النتائج الزخم، مرة أخرى، للفكرة التي لا تغيب بل تتوارى أحيانًا وهي استقلال أسكتلندا. فرئيس وزراء أسكتلندا ورئيس الحزب الوطني الأسكتلندي “جون سويني” دعا إلى الاستقلال قبل الانتخابات العامة المقبلة في المملكة المتحدة، وشدد سويني، في خطاباته قائلًا: “نحن بحاجة إلى الحماية التي يوفرها الاستقلال من التأثير الناتج من انتخاب حكومة بقيادة فاراج”. وقال بوضوح: “من الضروري أن نتحد في أسكتلندا لضمان أن يكون برلماننا محصنًا بالكامل ضد فاراج”. وأضاف: “هذا يعني امتلاك السلطة قبل عام 2029 لتقرير مستقبلنا الدستوري بأنفسنا بدون أن يتمكن فاراج من منعنا”.[4]
وقد تعهد سويني قبل الانتخابات بأنه في حال حصول حزبه على أغلبية أصوات البرلمان البالغ عدده 129 مقعدًا، فأنه سينظم فورًا استفتاء ثانيًا على استقلال أسكتلندا [5]، ولكنه في الانتخابات الأخيرة حاز على 58 مقعدًا فقط وهو ما يقل عن الأغلبية المطلقة المفردة، إلا أن حزب الخضر الداعم بقوة لفكرة استقلال أسكتلندا قد ضاعف مقاعده بشكل ملحوظ من 7 إلى 15 مقعدًا في الانتخابات الحالية [6]، وبهذا حال تحالف الحزبين الوطني والخضر قد يكون هناك فرصة سياسية قوية جدًا لذلك الأمر للضغط باتجاه الاستفتاء مستغلين ضعف الحكومة المركزية في لندن.
ثانيًا: استقالة ستارمر الثمن المباشر للانتخابات
سجّل حزب العمال الحاكم أسوأ خسائر لحزب حاكم في الانتخابات البلدية منذ عام 1995؛ مما دفع عددًا متزايدًا من نواب حزب العمال في البرلمان إلى مطالبة رئيس الوزراء ورئيس الحزب كير ستارمر بالاستقالة الفورية بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات المحلية مباشرة. فقد قال بعض النواب في حزب العمال إن عوامل متداخلة، مثل تسجيل الحزب لأداء ضعيف وتراجع حاد في أسكتلندا، وخسارته للسلطة في ويلز التي كانت معقلًا تاريخيًا لليسار لما يقرب من القرن، وإخفاقه في الاحتفاظ بمقاعد مجالس محلية يتنافس عليها في إنجلترا والبالغ عددها حوالي 2500 مقعدًا[7]. وقد تكللت تلك الضغوط بالنجاح أخيرًا، ففي يوم الاثنين الموافق 22 يونيو الجاري، أعلن عزمه الاستقالة وتعهد بضمان انتقال سلس للسلطة إلى زعيم جديد بحلول سبتمبر القادم على أقصى تقدير؛ نظرًا لحلول الاجتماع السنوي لأعضاء حزب العمال بشهر سبتمبر من كل عام، في محاولة لتجنب عدم الاستقرار السياسي في بلد يستعد لاستقبال سابع زعيم في غضون عشر سنوات[8].
وكانت أبرز محطات تلك الضغوط هي:
- في منتصف مايو، استقال وزراء وصل عددهم إلى خمسة وزراء، إلا أن اغلبهم ليسوا من قيادات الصف الأول بالحكومة، باستثناء “ويس ستريتينج”، وزير الصحة والرعاية الاجتماعية، والذي أحدثت استقالته ضجة كونه يسعى علنًا لمنافسة كير ستارمر على زعامة الحزب وإعادة تشكيل ملامح الحكومة[9]. وقد أكد “سترتيتينج” على تلك الرغبة في حواره لـ”بي بي سي”، مشيرًا إلى حصوله على تأييد 81 نائبًا عماليًا لترشحه[10]. حيث إن أي مرشح يرغب في خوض المنافسة يحتاج، حسب لوائح الحزب، إلى الحصول على دعم 20 بالمئة من أعضاء حزب العمال في البرلمان، ومع امتلاك حزب العمال حاليًا 403 مقاعد، فإن ذلك يُعادل 81 مؤيدًا لمرشح واحد.
- إعلان عمدة مانشستر الكبرى “آندي بيرنهام”، أنه سيتحدى ستارمر رسميًا على زعامة الحزب إذا فاز في الانتخابات التكميلية بدائرة “ميكر فيلد” التي أقيمت يوم الخميس 18 يونيو الجاري. وخاض بيرنهام الانتخابات التكميلية ضمن 14 مرشحًا يتنافسون على المقعد الذي شغر بعد استقالة النائب العمالي جوش سيمونز، المتنحي خصيصًا لإتاحة الفرصة لبيرنهام ليمتلك أحقية في ترشحه لرئاسة حزب العمال من داخل البرلمان. وقد فاز بيرنهام بفارق كبير، فقد حصد 24 ألفًا و937 صوتًا في الدائرة الانتخابية بشمال غرب إنجلترا، متفوقًا على روبرت كينيون، مرشح حزب “الإصلاح” البريطاني بزعامة نايجل فاراج، الذي حل ثانيًا بـ 15 ألفًا و696 صوتًا، وريبيكا شيبرد من حزب “استعادة بريطانيا” التي حصدت 3 آلاف و111 صوتًا.[11] وفي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “YouGov” ، في شهر مايو بين أعضاء حزب العمال، قال 59% منهم إنهم سيدعمون بيرنهام في أي مواجهة مباشرة مع رئيس الوزراء، مقابل 37% فقط لستارمر[12].
- استمرار نزيف شعبيته، فلم تنخفض شعبية رئيس الوزراء فقط في حزبه، بل كانت لحد كبير انعكاسًا لانخفاض شعبيته لدى المواطنين البريطانيين؛ حيث إن 19% فقط من البريطانيين لديهم رأي إيجابي تجاه رئيس الوزراء حاليًا، وهو أدنى مستوى منذ بداية ولايته، بينما 73% لديهم رأي سلبي. [13]
ثالثًا: ما الذي ينتظر النظام البريطاني في المستقبل؟
على مدى قرن تقريبًا، هيمن حزبا العمال والمحافظين على بريطانيا وشكلا قطبي المعادلة السياسية؛ ورغم وجود أحزاب أخرى غير أنها كانت تحصد أصوات محدودة مقارنة بالحزبين، ففي الانتخابات العامة لعام 2019، حصد الحزبان المتنافسان معًا ثلاثة أرباع الأصوات الإجمالية. لكن الوضع تغير الآن بشكل متسارع وتآكلت هذه الهيمنة الثنائية.
وفي الانتخابات الأخيرة نجد أنّ العمال خسروا مقاعدهم وقواعدهم من جهتين مُتناقضتين سياسيًا؛ فمن جهة، استقطب حزب الإصلاح الناخبين والعمال الغاضبين من ملفات الهجرة والضرائب وتراجع الخدمات، خصوصًا في المناطق الصناعية والبلدات التي كانت تاريخيًا خزانًا انتخابيًا صلبًا للعمال. ومن جهةٍ أخرى، تمكّن حزب الخضر من جذب قطاعات شبابية ويسارية تقدمية ترى أنّ حكومة ستارمر أصبحت أقرب إلى “الإدارة التقنية والتكنوقراطية الرمادية” منها إلى مشروع سياسي واجتماعي تغييري حقيقي. وتحت قيادة زعيمه الجديد، زاك بولانسكي، تحول حزب الخضر من حزب يركز على القضايا البيئية الكلاسيكية إلى قوة سياسية يسارية صاعدة ومؤثرة. وبهذا فإن تلك النتائج توضّح أن حزب العمال، أصبح يواجه ضغوطًا متزايدة من طرفي نقيض، بما يصّعب من مهمته في الحفاظ على قواعده، واسترجاع ثقة الناخبين مرة أخرى[14]. ولم يسلم حزب المحافظين من هذا النزيف؛ حيث فقد جزءًا مُعتبرًا من قاعدته التقليدية انتقل مباشرة إلى حزب الإصلاح، الذي نجح في تقديم نفسه صوتًا قوميًا شعبويًا أكثر وضوحًا وحسمًا، لا سيما في قضايا الهجرة والسيادة الوطنية ومواجهة من يسميها النخب السياسية الفاسدة في وستمنستر.
في المقابل، صعد نجم الأحزاب غير التقليدية في تلك الانتخابات. فقد تسيّد حزب الإصلاح اليميني، المشهد الانتخابي، وكانت أفضل نتائجه في المناطق الأكثر فقرًا وبين الفئات الأكبر سنًا والأقلّ تعليمًا، بينما برز وصعد نجم الخضر بقوّة في المدن الكبرى وبين الشباب والمُتعلّمين والمُستأجرين. وهذا يعني أنّ السياسة البريطانية لم تعد تُقرأ فقط بمنطق الصراع التقليدي الكلاسيكي بين “يمين ويسار”، بل أصبحت مرتبطة بالهوية والعمر والتعليم والموقع الاجتماعي والجغرافي. في المقابل، حاول زعيم الليبراليين الديمقراطيين، آد دافي، استثمار اللحظة بذكاء بتقديم حزبه باعتباره “البديل المُعتدل والعقلاني” بين ما سماه “شعبوية الإصلاح اليمينية” و”اندفاع الخضر اليساري”. وقد حقّق الحزب بالفعل اختراقات مهمّة ومقاعد حيوية في مناطق جنوبي إنجلترا، مستفيدًا من انهيار المحافظين ومن الناخبين المؤيّدين لأوروبا والرافضين للخطاب الشعبوي الاستقطابي.
هذا التنافس الانتخابي، عكس صورة غير معتادة في السياسة البريطانية، صورة بها قوى متعددة ولكلٍ منها قواعده، ولكل منها قوة مؤثرة. ورغم أنه من المتعارف عليه، بأن النتائج المحلية لا تعني بالضرورة أنّ السيناريو نفسه سيتكرّر في الانتخابات العامة المُقبلة نظرًا لاختلاف الحسابات لدى المواطنين في تلك الانتخابات، لكن هذا لا يعني أن الرسالة السياسية من تلك الانتخابات يمكن تجاهلها، فهي تعكس اتجاهًا لدى الناخبين البريطانيين بانفتاحهم على أحزاب أخرى، وعدم تقديم ولائهم الحزبي على مصالحهم وضيقهم من الحالة التي وصلت لها بلادهم منذ الخروج من الاتحاد الأوروبي.[15]
حيث تشير غالبية استطلاعات الرأي إلى أن 60% من البريطانيين يرون الآن أن “بريكست” كان “خطًا تاريخيًا” كبيرًا؛ مما يعني تراجع نسبة المؤيدين للخروج بنحو 10% مقارنة بما كانت عليه قبل 10 أعوام إبان الاستفتاء. وحسب بيانات من وكالة “بلومبيرج” الاقتصادية، فإن الاقتصاد البريطاني يخسر سنويًا ما بين 100 و200 مليار جنيه استرليني (ما بين 134 و268 مليار دولار) بسبب تداعيات البريكست. وكلف الخروج من الاتحاد الأوروبي، الاقتصاد البريطاني تراجع معدلات نموه بما بين ستة وثمانية في المئة، وأدى ذلك بالتبعية إلى خسارة الخزانة العامة عائدات ضريبية تتراوح ما بين 65 و90 مليار جنيه إسترليني (ما بين 87 و120 مليار دولار) سنويًا.
وتشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أن أصولًا مصرفية تقدر بنحو 900 مليار جنيه استرليني (1.2 تريليون دولار) خرجت وهربت من بريطانيا بعد “بريكست” إلى خارج البلاد. ونتيجة القيود التجارية المعقدة والبيروقراطية على التعامل بين أوروبا وبريطانيا، تراجع الاستثمار في بريطانيا بنسبة تتراوح ما بين 12 و18 في المئة. وطبقًا لأكثر من مسح للأعمال والشركات البريطانية، فإن 70 في المئة منها ذكرت ارتفاع كلفة سلاسل الإمداد لديها بسبب نظام التعرفة الجمركية وقواعد التجارة المعقدة الجديدة مع بريطانيا بعد “بريكست”. وتراجعت صادرات السلع الزراعية والمنتجات الغذائية البريطانية إلى دول الاتحاد الأوروبي بنسبة حادة بلغت 37 في المئة، وفي الوقت ذاته، يتراجع مستوى معيشة البريطانيين مقارنة بنظرائهم في دول الاتحاد الأوروبي، وارتفعت كلفة توفير الغذاء للأسرة البريطانية سنويًا بنحو 250 جنيهًا استرلينيًا (335 دولارًا) كعبء إضافي على كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة[16].
ختامًا، للإجابة عن السؤال المطروح ببداية التقرير، وهو: هل انتهى عصر حكم الحزبين في المملكة المتحدة؟ نجد أنه بناء على ما سبق مناقشته وتوضيحه يمكن القول إنه نعم، إن عصر حكم الحزبين التقليديين بالشكل الكلاسيكي المستقر الذي عرفته بريطانيا طوال القرن الماضي في طريقه للتحلل. فلم يعد النظام السياسي البريطاني قادرًا على إعادة إنتاج ثنائية العمال والمحافظين كخيارات وحيدة وحتمية للحكم؛ فالشروخ التي أحدثتها القوى الصاعدة الجديدة متمثلة في حزب الإصلاح يمينًا، وفي حزب الخضر يسارًا، ليست مجرد ظواهر احتجاجية عابرة، بل هي تعبير عن إعادة هيكلة شاملة للكتل الناخبة وتوزيع القوة السياسية في البلاد.
وعليه، فبالنسبة لحزب العمال الحاكم، ويتشابه في ذلك معه حزب المحافظين، فإن منهج “الطريق الثالث” الذي تبناه توني بلير في تسعينيات القرن الماضي وحقق نجاحًا في وقته، لم يعد صالحًا للتطبيق في عهد كير ستارمر. فالإصرار على اتخاذ موقف وسطي ومحاولة استقطاب شرائح سياسية متناقضة بات يؤدي إلى خسارة جميع الأطراف في الوقت الراهن؛ نظرًا لتغير طبيعة الكتلة الناخبة وتفاقم الأزمات الاقتصادية. وأصبح لزامًا على الأحزاب التقليدية الكبرى، وتحديدًا حزب العمال، تحديد قاعدتها الاجتماعية بوضوح، وصياغة مشروع نمو اقتصادي صريح يحدد بدقة الفئات المستهدفة بالدعم وتلك التي ستتحمل كلفة التغيير، وإلا فإن عصر هيمنة الحزبين سيئول سريعًا إلى الأفول لصالح خارطة سياسية مشتتة ومتعددة الأقطاب.
[1] BBC عربي، ما دلالات تصدر حزب الإصلاح اليميني الانتخابات البلدية في المملكة المتحدة؟، 10\5\2026. https://www.bbc.com/arabic/articles/c4g06wkw68wo
[2] LGIU, What is the point of local elections?, 14\3\2025. https://lgiu.org/what-is-the-point-of-local-elections/
[3] Tim Ross, Nigel Farage will need to be 22 times more efficient to win the next general election, 9\5\2026.
https://www.politico.eu/article/nigel-farage-reform-uk-win-next-general-election
[4] مونت كارلو الدولية، رئيس وزراء أسكتلندا يدعو إلى الاستقلال في مواجهة صعود حزب الإصلاح، 9\5\2026. https://shorturl.at/hbzzA
[5] الشرق، بريطانيا.. هل تُعيد إخفاقات حزب العمال إحياء مساعي استقلال أسكتلندا؟، 9\5\2026. https://shorturl.at/2iim3
[6] Angus Cochrane, SNP wins Scottish election as Reform and Labour tie for second, 8\5\2026. https://www.bbc.com/news/articles/ckgp5ryv4qno
[7] رويترز، ستارمر يؤكد تمسكه بمنصبه رغم هزائم لحزبه في انتخابات محلية ببريطانيا، 8\5\2026.
https://www.reuters.com/ar/world/EARXVNJUBVIRDFI5FYKX3SISEQ-2026-05-08
[8] رويترز، ستارمر يعتزم الاستقالة ويتعهد بانتقال سلس للسلطة، 22\6\2026.
https://www.reuters.com/ar/world/LZAKGN2WKNPQZBD5ZJYZH3TRNY-2026-06-22
[9] Noora Mykkanen, All the ministers who have quit Keir Starmer’s government so far, 14\5\2026. https://metro.co.uk/2026/05/14/ministers-quit-keir-starmers-government-far-28370972/
[10] رويترز، وزير بريطاني سابق يعلن اعتزامه تحدي ستارمر على زعامة الحزب الحاكم، 17\6\2026.
https://www.reuters.com/ar/world/RDGIUCRD7BMGBJUDPXKGDU7PZU-2026-06-17
[11] الشرق، بيرنهام يفوز بمقعد ماكرفيلد ممهدًا الطريق لتحدي قيادة ستارمر، 19\6\2026.
[12] George Parker, Jim Pickard and Rachel Rees, Keir Starmer rallies ministers in attempt to build support against Andy Burnham, 8\6\2026.
https://www.ft.com/content/cf5f4a4a-d7ca-4dff-ad82-b061c120fc7e?syn-25a6b1a6=1
[13] Alessia De Luca, United Kingdom: Starmer holds firm, but Labour is wavering, 18\5\2026. https://www.ispionline.it/it/pubblicazione/regno-unito-starmer-resiste-ma-il-labour-traballa-237951
[14] Stephen Castle, Four Takeaways from the U.K. Elections, 8\5\2026. https://www.nytimes.com/2026/05/08/world/europe/uk-elections-local-takeaways.html
[15] سمير الخالدي، قراءة في نتائج الانتخابات المحلية البريطانية، 13\5\2026.
[16] أحمد مصطفى، العودة إلى أوروبا… شعار انتخابي أم ضرورة اقتصادية في بريطانيا؟، 19\5\2026. https://shorturl.at/OECy5

